ثمّة جروحٍ مستترةٍ في مفهومنا المعاصر للعدالة؛ منها التّغييب المعيب لجهد ما يقارب نصف التّجربة الإنسانيّة، لطالما أثبتت الدّراسات القانونية والنظرية السياسية الحديثة أنّ غياب المرأة عن مناصب القيادة العليا يشكل خرقاً أساسياً للعدالة النّظامية، ولأنّ العدالة، بأبعادها التوزيعية والإجرائية، تتطلّب استمداد المؤسسات الحاكمة السّيادة من كافّة أطياف الشّعب فإنّ استبعاد هيئات صنع القرار الرسمية النّساءَ بشكل مستمر، يعكس رؤية حوكمية ناقصة، مما يضعف الشرعية الديمقراطية للدولة.
وممّا لا خلاف فيه؛ أنّ الأمن الشامل والحوكمة العادلة لا يمكن تحقيقهما دون التّمثيل المتساوي؛ إذْ لا تعمل الهيئات كلّها بفاعلية إلا عندما تسهم التجارب الحياتية المتنوعة بنشاط في صياغة القوانين والسياسات العامة، كما أنّ الحضور الفعليّ للقيادات النسائيّة يقطع النقاط المظلمة المؤسسية الراسخة، ويضمن عكس التفضيلات السياسية للمكونات كافّة إلى أولويات
ما هي “مراكز صنع القرار” وما معنى “العدالة”؟
لكي نفهم عمق المشكلة، يحسن بنا أولاً تفكيك الألفاظ وتخليصها من التّسطيح السائد، فعلى سبيل المثال “مراكز صنع القرار” ليست محصورة في الكراسي الوزارية أو المقاعد البرلمانية فحسب؛ بل تشمل دوائر التخطيط الاستراتيجي في الشركات الكبرى والمنصات القضائية وقيادة مراكز البحث العلمي وإدارة الأزمات والمفاوضات، بل؛ وحتّى اللجان البسيطة التي تقرر تصميم المواصلات العامة ومدارس الأحياء. إنّها أي موقعٍ يملك سلطة توجيه الموارد، وإقرار السياسات، وتحديد الأولويات العامة.
تُعرّف الأمم المتحدة العدالة بوصفها مفهوماً إنسانياً وقانونياً مستنداً إلى سيادة القانون، يضمن المساواة في الوصول إلى القضاء، والمساءلة الكاملة، وحماية حقوق الإنسان دون تمييز، وتوفير آليات فعالة لإنصاف المتضررين وردع المخالفات، ومن أساسيّاتها: كفالة حقّ جميع فئات المجتمع في المشاركة الفعالة والحقيقيّة في صياغة القوانين ورسم السياسات العامة، وتطبيق الأحكام والمعايير نفسها على جميع الأفراد دون تمييز قائم على الجنس أو العرق…إلخ، وخضوع أصحاب السّلطة للمحاسبة العلنية، واستقلالية القضاء وضمان عدم احتكار سلطة معينة لرسم وتنفيذ القوانين، وحظر القرارات الفرديّة أو الاستبدادية، وضمان استناد التشريعات للأدلة، وألّا تتناقض القوانين والقرارات الوطنية مع الإعلانات والمواثيق العالمية المنظّمة لكرامة الإنسان وحقوقه الأساسيّة.
نوعَي العدالة: الإجرائية، والجوهرية
عند قراءة قضية التّمثيل القيادي المنصف للنساء، ينبغي التمييز بين بُعدين أساسيين للعدالة:
▪ العدالة الإجرائية: تتعلق بـكيفية اتخاذ القرار، ومسارات الوصول إلى طاولة الحوار. فإذا كانت العملية الإجرائية تُقصي فئة تمثل نصف المجتمع بسبب تحيزات غير واعية، أو شروط صُممت تاريخياً لتناسب نمط حياة محدد (كالعمل لساعات طويلة دون اعتبار لمسؤوليات الرعاية)، فإن العملية بأكملها تفتقر للشرعية الإجرائية. باختصار: العدالة الإجرائية تشترط فتح الأبواب وتكافؤ الفرص في المضمار نفسه.
▪ العدالة الجوهرية: تتعلق بـمضمون القرار ونتاجه على الأرض؛ هل تلبّي السياسات الناتجة احتياجات المجتمع ككلّ، أم تكتفي برؤية أحادية؟
عندما تخلو طاولة القرار من الصوت النسائي، تظهر في المخرجات “نقاط عمياء” خطيرة (Blind Spots) فالسياسة الاقتصادية التي لا تأخذ في الحسبان اقتصاد الرعاية غير المدفوع، أو التخطيط العمراني الذي لا يراعي أمان النساء في المساحات العامة، هي نتائج مباشرة لغياب العدالة الجوهرية. وجود المرأة هنا ليس مجرد تزيين إجرائي، بل هو مدخل لإحداث تغيير في طبيعة القرارات المنسوجة.
كيف يغيّر الحضور النّسائيّ وجه صنع القرار؟

إن انعكاس حضور النساء في دوائر القيادة يتجاوز حدود الإنصاف الشكلي ليتجسد في تغييرات ملموسة تُقاس أبعادها في مختلف قطاعات الحياة:
● إعادة ترتيب الأولويات الاجتماعية والصحية: تُظهر الدراسات الدولية أن المجالس والتشكيلات الحكومية التي تضم نسباً متوازنة من النساء تميل بشكل أكبر لإقرار سياسات تركز على التعليم الباكر، الصحة العامة، حماية الأسرة، وشبكات الأمان الاجتماعي. هذا ليس بسبب ميول عاطفية، بل نتيجة تجربة حياتية تراكمية تدرك تكلفة هذه القطاعات مباشرة.
● إدارة الأزمات وبناء السلام: في مفاوضات السلام الدولية، أثبتت أبحاث الأمم المتحدة أن مشاركة النساء في صياغة اتفاقيات السلام ترفع نسبة استمرار هذه الاتفاقيات لأكثر من 15 عاماً بنسبة 35%. فالمرأة تميل للاستماع لطبقات الصراع المجتمعية المسكوت عنها، كالضحايا والأسر، مما تجعل القرارات مصاغةً بنهج احتوائي يضمن استدامة الحلول.
● الحوكمة الشفافة والحد من الفساد: تفيد الأبحاث الاقتصادية والمؤسسية بأن تنوع القيادة يقلل من ظاهرة “التفكير الجماعي” (Groupthink) ويعزز الرقابة والشفافية داخل المؤسسات، مما ينعكس إيجاباً على تقليل الهدر المالي ومكافحة التسرّب المخفيّ للتمويل من المصادر ذات النفوذ.
الطرح المضاد لضرورة وجود النساء في صنع القرار
تثار في كثير من الأحيان اعتراضاتٌ تبدو في ظاهرها منطقية؛ لكنها تتجاهل عمق البنية الاجتماعية، ومن أبرزها:
▪ “المعيار الوحيد يجب أن يكون الكفاءة والجدارة، بغض النظر عن الجنس”: هذه الحجة تلمح ضمنيّاًً إلى أن غياب المرأة حالياً مردّه عدم كفاءتها؛ لكن الكفاءة لا تنمو في الفراغ؛ فالأنظمة الحالية صُمّمت وفق معايير تعريفيّة للجدارة وضَعَها طرفٌ واحد. فهل يُعقل أنّ المطالبة بالعدالة يُفسّر على أنّه تقديم النّساء غير الكفؤات! والحقيقة مرادنا هو تفكيك التحيّزات التي تمنع الكفاءات النسائية الحقيقية من الظهور والترقّي، وتغيير مفهوم الجدارة ليشمل مهارات قيادية احتوائية وتشاركية تتفوّق فيها الكثير من النساء.
▪ “المرأة إذا وصلت للمناصب القيادية ستُمثل قضايا المرأة فقط وتهمش قضايا أخرى”: هذا الاختزال يُعامل الرّجل وكأنه يعبّر عن الإنسان السامي المحايد، بينما يُعامل المرأة كـ “فئة خاصّة”. الواقع يقول إن المرأة القيادية تدير شؤون الاقتصاد والسلاح والتكنولوجيا بنفس الاحترافية، ولكنها تُضيف زاوية تحليلية جديدة ومجالات اهتمام تم إهمالها عقوداً طويلة لظنّ القيادات الذكورية السابقة أنها قضايا ثانوية.
العقبات أمام وصول النساء إلى مراكز صنع القرار
الوصول إلى هذه العدالة حُكماُ ليس طريقاً مفروشاً بالورود؛ بل تعترضه حواجزُ صلبة تتطلب مواجهة صريحة وتحدّيات كالحواجز غير المرئيّة القائمة على الانحياز الضّمني لدى لجان الترشيح والانتخاب، حيث يميل أصحاب القرار لتوريث مواقعهم لمن يشبههم في الشكل والنظر.
يتوقع المجتمع من المرأة القيادية أن تؤدي أدوارها المهنية بكفاءة كاملة مع الاستمرار في حمل العبء الأصلي من مسؤوليات الرعاية المنزلية دون مساندة قوية من بنى الدولة أو الشريك. ولا سيّما ثقافة ساعات العمل غير المرنة، وثقافة الاجتماعات المتأخرة التي تصمَّم أحياناً دون اعتبار للتوازنات الحياتية، إضافة إلى ندرة شبكات التوجيه والدعم المخصصة للقيادات النسائية الشابة.
مخرجات عملية لإركاز دورهنّ في صنع القرار
إن الانتقال من نقد الواقع إلى بناء المستقبل يتطلب سياسات جريئة ومستدامة، تخرج بملف التمكين من خانة الشعارات إلى واقع الممارسة:
▪ إقرار سياسات الكوتا الزمانية (Temporary Special Measures): التمييز الإيجابي ليس غاية سرمدية، بل هو أداة كسر مؤقتة للقصور الذاتي التاريخي. تخصيص حصص للمرأة في المجالس والقيادات يجبر المؤسسات على البحث عن الكفاءات النسائية المهملة وإبرازها.
▪ إعادة صياغة قوانين التوازن بين العمل والحياة: تشمل إجازات الأمومة والأبوة المدفوعة، ورعاية الأطفال في أماكن العمل، واعتماد ساعات العمل المرنة للجميع. عندما يشارك الرجل في الرعاية، يقل العبء على المرأة وتتساوى الفرص في مضمار التنافس المهني.
▪ تحديث آليات التوظيف والترقية: اعتماد التقييمات العمياء في المراحل الأولى للترشح، وتشكيل لجان اختيار متوازنة الجندر لمنع التحيزات الضمنية من التأثير في النتيجة.
▪ التدريب والتمكين القيادي: الاستثمار في برامج التوجيه (Mentorship) المباشر، وتدريب النساء على أدوار التفاوض وإدارة الميزانيات والظهور الإعلامي بثقة.
تنشأ التشريعات المكتوبة من واقع واضعيها وانحيازاتهم، مما يجعل حصر العدالة في تطبيقها السطحي أمراً منقوصاً. يمتد دور المرأة في مراكز القرار ليشكل حجراً أساسياً في بناء البوصلة الأخلاقية والعملية للمجتمع، متجاوزاً حدود التمثيل الرقمي أو الرمزي. تُعد قضية القيادة النسائية مؤشراً جوهرياً على إنسانية المجتمعات ومدى وعيها، فالعدالة تتكامل باتساع الرؤية لاستيعاب التجربة البشرية برمتها. تُثمر المشاركة الحقيقية للمرأة في صناعة القرار عن قرارات تتسم بالحكمة والشمول، وتؤدي إلى بناء مجتمعات متماسكة وقادرة على النهوض والتطور بكرامة.


