هل تخيلت يوماً كم يبلغ ثمن “الشر” مقوماً بالدولار؟
في عام 2024، كشف معهد الاقتصاد والسلام (IEP) عن رقم مرعب كاد يمر دون أن يلتفت إليه أحد: بلغت التكلفة الاقتصادية العالمية للعنف 19.1 تريليون دولار. ولكي تستوعب ضخامة هذا الرقم الذي يعادل نحو 13.5% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، تخيل أننا كبشر ننفق 52 مليار دولار يومياً — أي ما يعادل 5 دولارات تقريباً لكل إنسان على كوكب الأرض كل يوم — فقط لتمويل الحروب، وتأمين السجون، ومحو آثار الدمار، وعلاج ضحايا الجريمة.
لو كان العنف “شركة مساهمة”، لكانت الشركة الأضخم والأسوأ إدارة في التاريخ؛ كيان يبتلع أموال الكوكب لينتج منتجاً واحداً: الخراب التام. من هنا، يسقط الخطاب الأخلاقي التقليدي عن السلام للحظة، ليحل محله سؤال بارد واقتصادي بحت: لماذا نستمر في تمويل استثمار يضمن لنا الخسارة دائماً؟
1. الاستثمار في الوهم: منطق الحروب المقلوب
لفترة طويلة من التاريخ البشري، كان العنف “مربحاً” للبعض؛ كانت الغزوات وسيلة للاستحواذ على الأراضي، واستعباد الثروات البشرية، ونهب الذهب. لكن في الاقتصاد الحديث القائم على المعرفة، والتكنولوجيا، والشبكات المعقدة، تغيرت اللعبة كلياً.
الحرب اليوم لم تعد وسيلة لبناء الإمبراطوريات، بل هي “ثقب أسود” يلتهم الرأسمال الذكي. عندما تسقط قنبلة على بنية تحتية، فإنها لا تدمر الحجارة فقط، بل تقضي على عقود من الابتكار، وتطرد الاستثمارات الأجنبية، وتحول العمال المهرة إلى لاجئين. الاقتصاد الحديث جبان بطبعه، ولا يمكن لرأس المال أن ينام في غرفة تشتعل فيها النيران.
في بيئة يغيب عنها السلام، يتحول سلوك المستهلك والمستثمر من “التوسع والابتكار” إلى “الانكماش والبقاء”. وبدلاً من أن تنفق الشركات ميزانياتها لتطوير أدوية جديدة أو تقنيات طاقة نظيفة، تضطر لإنفاقها على الحراسة والتحوط. كل دولار يُنفق على رصاصة هو دولار مُقتطع من ميزانية علاج السرطان أو تطوير التعليم. العنف لا يسرق الحاضر فقط، بل يفرض ضرائب باهظة على المستقبل.
على النقيض: يثبت التاريخ أن السلام هو المحرك الأساسي لأكبر المعجزات الاقتصادية. انظر إلى رواندا بعد الإبادة، أو أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية؛ بمجرد صياغة عقود اجتماعية تنبذ العنف، صعدت المؤشرات بشكل عمودي. خفض العنف العالمي بنسبة 10% فقط يحرر قرابة 2 تريليون دولار سنوياً، وهو مبلغ كفيل بحل أزمة الجوع العالمي وتمويل انتقال الطاقة النظيفة.
2. حروب الداخل: كيف تمرض الكراهية خلايانا؟
إذا كان العنف يستنزف ميزانيات الدول، فإن دماره الأعمق يقع في مكان أخفى: داخل الجسد البشري. تخبرنا البيولوجيا الحديثة أن العنف ليس مجرد سلوك خارجي، بل هو “مُمرض عضوي” يغير كيمياء الجسد ويهاجم جهاز مناعته.
حين يعيش الإنسان في بيئة مشحونة بالنزاع، يقع تحت وطأة ما يُعرف طبياً بـ “الإجهاد السمي المستدام“. تفرز الغدد كميات فائقة من هرمونات التوتر (الكورتيزول والأدرينالين) دون توقف. هذا التدفق الكيميائي، المصمم للحالات الطارئة، يتحول بمرور الوقت إلى سم بطيء يرفع ضغط الدم، ويعطل نمو الخلايا العصبية في الدماغ المسؤول عن العقلانية، مما يجعل الإنسان أقل قدرة على التفكير الهادئ وأكثر ميلاً للانفعال.
هذا الاعتلال البيولوجي الفردي يجد صدى مخيفاً في بنية المجتمع، حيث تعمل أفكار الإقصاء كـ “أمراض المناعة الذاتية“. في الجسد المعافى، يتعرف جهاز المناعة على الخلايا الشقيقة ويحميها. أما في المرض المناعي، يصاب النظام بالعمى ويهاجم خلايا الجسد نفسه. وبالمثل، عندما يتشرب المجتمع فكر العنف، يصاب بـ “عمى مجتمعي” يجعله يرى في شريكه في الوطن خطراً يجب استئصاله، فتلتهم الخلايا الاجتماعية بعضها البعض.
3. رأسمالية الغضب: هندسة الكراهية الرقمية
هذه الهشاشة البيولوجية والنفسية لم تمر مرور الكرام، بل تم استغلالها ببراعة في الفضاء الرقمي. نحن لا نتعامل اليوم مع مساحات محايدة، بل مع “وحوش خوارزمية” لا تعنيها قيم التعايش؛ كل ما يعنيها هو “انتباهنا“ كسلعة تدر الأرباح.
ولأن سيكولوجية الإنسان تميل بطبيعتها للاستثارة عند الغضب، أعادت هذه الخوارزميات هندسة بيئتنا لترفع منسوب التحريض، كونه يجلب تفاعلاً أكبر بأربعة أضعاف من المحتوى الهادئ. حين يندفع المرء للتعليق على منشور تحريضي — حتى بغرض الرفض والدفاع عن قضية عادلة — تترجم الخوارزمية هذا التفاعل كشهادة نجاح، وتقوم بنشره لآلاف آخرين.
الحل يكمن في “القرصنة البيضاء“: أبلغ رد على الإساءة الرقمية هو الصمت الذكي. حين تتجاوز المنشور المسيء في أقل من ثلاث ثوانٍ، فإنك تقطع الأوكسجين الرقمي عن خطاب الكراهية، وتتركه لينطفئ في قاع الشبكة. وحين تختار منح “الإعجاب” والمشاركة لقصص التعافي وبناء الجسور، فإنك تربك حسابات الخوارزمية الباردة وتجبرها على التغيير.
4. المعادلة السورية: السلام كطوق نجاة
إذا أسقطنا هذه المعادلات الرياضية والبيولوجية والرقمية على الواقع السوري في مرحلة ما بعد نظام الأسد، سنكتشف أن “اقتصاد السلام” ليس مجرد رفاهية سياسية، بل هو مسألة بقاء لبلد يحتاج إلى مئات المليارات ليرمم حاضره.
التحدي الأكبر الذي يواجه سوريا اليوم ليس نقص الموارد، بل تفكيك “اقتصاد الحرب“ — الذي عاشت عليه شبكات المصالح لسنوات — وتحويله إلى اقتصاد مؤسسات مستقر.
سيادة القانون والعدالة الانتقالية ونبذ العنف هي “المغناطيس” الوحيد القادر على إقناع رأس المال السوري المهاجر بالعودة، والضمانة لتدفق صناديق إعادة الإعمار. فالشركات الكبرى والدول المانحة لن تضخ أموالها في بيئة مهزوزة. السلام المجتمعي هنا ليس “تنازلاً أخلاقياً” يقدمه طرف لآخر، بل هو الخيار الاستثماري الأذكى والوحيد للنجاة؛ إما أن يربح الجميع معاً بصناعة سلام مستدام، أو يخسر الجميع فرصة التاريخ الفريدة في النهوض من تحت الركام.
خيار الملياردير الذكي
لقد حان الوقت لنتوقف عن الوعظ بالسلام لمجرد أنه “فعل نبيل”، وأن نبدأ في المطالبة به لأنه الخيار العقلاني الوحيد. السلام ليس تضحية يقدمها القوي للضعيف، بل هو الصفقة التجارية الأنجح، والاستثمار الأعلى عائداً الذي يمكن للبشرية أن تكتتب فيه. في اقتصاد القرن الحادي والعشرين: إما أن نربح بالسلام معاً، أو نعلن إفلاسنا بالعنف فرادى.


